العاملات بالجنس التجاري
مقالات الرأي

العاملات بالجنس التجاري في مصر

مقدمة

ما كنتُ لأظن أني سأكتبُ يوما عن القضية التي أثيرت مؤخرا عن “العاملات بالجنس التجاري”، وهو مصطلحٌ قد انتشر في مصر في الآونة الأخيرة، ويُستخدم للإشارة إلى النساء اللاتي يقدمن خدمات جنسية مقابل أجر مادي. وقد أثار هذا المصطلح جدلاً واسعاً، خاصة بعد ظهور مطالبات نسوية بضرورة توفير رعاية صحية دورية لهن لحمايتهن وحماية المجتمع من الأمراض المنقولة جنسياً.

يطرح هذا الجدل تساؤلات عميقة حول كيفية التعامل مع هذه الظاهرة: هل القوانين المصرية تحارب الجنس المقنن؟ وما هو حجم انتشار هذه الظاهرة بين النساء والرجال؟ وكيف تتعامل الدول الأوروبية مع هذا الملف؟ والأهم من ذلك، ما هو دور الأزهر الشريف ودار الإفتاء من الناحية الدينية والاجتماعية، هل البحث عن حل المشكلة من جذورها أمثل، أم أن مداواة العَرَض الحالي هو الخَيار الأكثر واقعية؟

وقد بحثت عن الإحصائيات الموثقة قبل كتابتي لهذا المقال لأستطيع تقديم صورة متكاملة، وأكشف اللثام عن أسباب انتشار هذا الخبث في مجتمعنا، وكيف يحاولون التمهيد لتعميمه وإقراره عبر الاعتراف، ووقاية العاملات به؛ لا قطع أوصاله ومحاربة.

هل تحارب القوانين المصرية الجنس المقنن؟

يُعد الجنس التجاري (أو ما يُعرف قانونياً بالدعارة) مجرماً بشكل قاطع في مصر. بدأ التجريم الرسمي في العصر الحديث بصدور القانون رقم 68 لسنة 1951، تلاه القانون رقم 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة والفجور، وهو القانون الساري حتى اليوم. [مصدر]

تنص المادة 9 (ج) من هذا القانون على معاقبة كل من يعتاد ممارسة الدعارة أو الفجور بالحبس والغرامة. ومن الملاحظ في البنية القانونية المصرية وجود تمييز في التعامل مع أطراف العملية؛ حيث يُعاقب القانون مقدم الخدمة (المرأة أو الرجل)، بينما يُعتبر متلقي الخدمة (العميل) في كثير من الأحيان مجرد “شاهد” على الواقعة، ولا يقع تحت طائلة العقوبة ذاتها إلا في حالات محددة تتعلق بالتحريض أو استغلال القصر. [مصدر] هذا التوجه القانوني يؤكد أن دولتنا المصرية تحارب الجنس المقنن بكافة أشكاله، وترفض أي محاولات لتنظيمه أو إضفاء الشرعية عليه.

حجم الظاهرة: العاملين و العاملات بالجنس التجاري

وعلى الرغم من التجريم الصارم، إلا أن الظاهرة موجودة في الخفاء. إذ تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة المشترك لفيروس نقص المناعة البشرية (UNAIDS) إلى وجود نحو 23,000 عاملة بالجنس التجاري في مصر، وأنا أعلم جيدًا أن الرقم يفوق هذا بكثير إلا أننا نقف أمام الإحصائيات في مثل هذا الشأن كنوع من أنواع الإحصاء الجزئي لا الإحصاء الحقيقي المتكامل، لأسباب اجتماعية أو دينية ربما أو حتى سياسية، وبالمناسبة يشمل هذا الرقم مصريات ونساء من جنسيات أخرى.

أما فيما يخص الرجال (Male Sex Workers)، فإن الظاهرة موجودة أيضاً وإن كانت أقل بروزاً في النقاش العام. يُعاقب القانون المصري الرجال الذين يقدمون خدمات جنسية تحت بند “الفجور”. وتُشير تقارير حقوقية إلى أن العاملين بالجنس من الرجال يواجهون تحديات مضاعفة تتمثل في الوصمة الاجتماعية المزدوجة والملاحقة القانونية الصارمة.

ومن المفارقات اللطيفة أني ما كنتُ أعلم أصلا أن هناك رجال يعملون بالزنى، يُستأجرون لليلة أو حفلة ماجنة أو تهدي إحداهن صديقتها برجل قد جربته، وكانت أول مرة صدمتني هذا المصطلح sex worker في مشكلة دُعيت لحلها بين رجل وامرأته في مجتمع فاخر.

وكانت المشكلة أنه يريدها أن تتوقف عن استقدام الـ sex worker إلى بيته، لا بأس عنده أن يكون هذا خارج البيت لكن كان ينزعج أن ذلك يحدث في قصرة المنيف، وتحت أنظاره. وقد نزل الخبر عليَّ كالصاعقة وأُلجم لساني، حتى نطقت السيدة وقالت هو كمان بيجيب بنات البيت وأنا عمري ما اعترضت. فقمتُ من المجلس، وكانت هذه أول معرفتي بهذا المصطلح، لا أدري هل لأني نشأتُ في بيئة لا تتخيل أن يوجد مثل هذا في بيئات أخرى؟ أم أن الأمر استفحل واستشرى حتى صار إلى ما ترى؟.

الأمراض المنقولة جنسياً ومساعي الحماية

ويؤسفني أن أنقل تلك التحديات، والأوجب أن أهدم المعبد بمن فيه لا أن أبحث لهم عن مكيف الهواء لمقاومة حر المعبد، إلا أن الواجب التعريفي يجعلني أكتب عن التحديات الصحية التي تواجه “الزُناة”.

تُعد الحماية من الأمراض المنقولة جنسياً (STIs) وفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) من أبرز الدوافع وراء المطالبات بتوفير رعاية صحية للعاملات بالجنس التجاري. في ظل التجريم، تعمل هؤلاء النساء في بيئات سرية وغير آمنة، مما يجعلهن عرضة للاستغلال والعنف، ويقلل من فرصهن في الحصول على الرعاية الصحية أو استخدام وسائل الوقاية

وهذا هو النفق المظلم الذي أرادت النسويات اللاتي تحدثن عن مشاكل العاملات بالجنس التجاري جرَّنا إليه، ثم إذا دخلت جحر الضب معهم قالوا بما آنكم آمنتم بوجود جحر الضب فمدوا أيديكم بالمساعدة لا لهدم الجحر، ولكن لتوفير الغذاء والدواء للوالجين إليه.

ثم يبسطن الحُجة أن منظمة الصحة العالمية (WHO) تؤكد أن العاملات بالجنس التجاري عالمياً أكثر عرضة للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية بـ 30 ضعفاً مقارنة بالنساء الأخريات في سن الإنجاب. وتُشير المنظمة إلى أن تجريم العمل الجنسي يشكل عائقاً هيكلياً يمنع الوصول إلى الخدمات الصحية، وأن إلغاء التجريم قد يؤدي إلى انخفاض بنسبة 46% في الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية بين العاملات بالجنس خلال عقد من الزمان.

وبم إن إذًا.. فيجب على الدولة المصرية “هذا على لسان الدعاة إلى تقنين الزنا” أن يقدموا الحماية للمجتمع والعاملات بالجنس التجاري بتقنين أوضاعهن وتقديم يد المساعدة والوقاية والتعليم اللازم.

وما دفعني لكتابة هذا المقال أنه في مصر قد طالبت بعض الأصوات النسوية بضرورة إخضاع العاملات بالجنس التجاري لكشف طبي دوري وتثقيفهن حول طرق الوقاية، انطلاقاً من مبدأ “تقليل الضرر”. يُجادل أصحاب هذا الرأي بأن تجاهل وجودهن لا يلغي الخطر الصحي الذي قد يمتد إلى المجتمع بأسره عبر العملاء.

وقد تجد وجاهة في هذا الطرح من جانب، ثم إذا فكرت بطريقة علمية في تفكيك المشكلة لا تجد أن أحد سُبل الحل هو التقنين عبر الوقاية والعلاج للعاملات بالجنس التجاري، بل الطريقة المثلى هي انتشالهن من هذا المستنقع، ثم تقديم الدعم العلاجي والنفسي والسلوكي لهن، وتوفير حياة كريمة للمفتقرات إليها، وتوفير الدواء النفسي والمتابعة السلوكية للمختلات منهن، وسنناقش هذا باستفاضة في باب المعالجة من الجذور.

مقارنة بين مصر وأوروبا: التجريم مقابل التقنين

تختلف المقاربة الأوروبية للتعامل مع الجنس التجاري بشكل جذري عن المقاربة المصرية. في أوروبا، يُنظر إلى الظاهرة من منظور الصحة العامة وحقوق الإنسان، لا من الناحية الدينية التي أصلا في المقام الأول تراعي الصحة العامة وحقوق الأنسان، وتتنوع النماذج القانونية كما يوضح الجدول التالي:

مقارنة النماذج القانونية للجنس التجاري

النموذج القانوني الدول المطبقة الوصف والنتائج الصحية
التقنين الكامل ألمانيا، هولندا تنظيم العمل الجنسي كمهنة قانونية، خضوع العاملين للضرائب والتأمين الصحي، وفحوصات طبية دورية.
إلغاء التجريم بلجيكا (منذ 2022) إزالة كافة القوانين الجنائية المتعلقة ببيع وشراء الجنس، مما يمنح العاملين حقوقاً عمالية كاملة وحماية صحية.
النموذج النوردي السويد، فرنسا تجريم “شراء” الجنس (العميل) وعدم تجريم “البيع” (العاملة)، بهدف القضاء على الطلب مع حماية الفئات المستغلة.
التجريم الكامل مصر، دول عربية تجريم كافة أشكال العمل الجنسي. يؤدي إلى العمل السري وصعوبة تتبع الأمراض المنقولة جنسياً.

 

أظهرت دراسة نُشرت في مجلة “The Lancet” الطبية أن متوسط انتشار فيروس نقص المناعة البشرية بين العاملات بالجنس في الدول التي تُجرم هذه الممارسة يبلغ 4.0%، بينما ينخفض إلى 0.5% في الدول التي تُقننها أو تنظمها. كما أكد المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC) أن 82% من العاملين بالجنس المصابين بالفيروس في أوروبا تم تشخيصهم ويتلقون العلاج بفضل سياسات الانفتاح الصحي.وهذه الدراسة والإحصائيات تناسب هذه المجتمعات المفككة راعية البغاء، التي لا تنضبط بدين إلهي، وتوجيه رباني.

تخيل أني أقول لك أن 82٪ ممن قذف بنفسه في النار ثم خرج منها نجى بحروق متعددة، وهو يتلقى العلاج الآن بفضل السياسات المنفتحة التي تعالج المحروقين عمدًا. وأطلب منك أن تصفق لي على علاجه وتتجاوز المشكلة أننا تركناه يقذف بنفسه في النار، وتركنا النار تضطرم أصلا في حيِّنا. وهذا من العجائب التي نراها.

معالجة الجذور أم مداواة الأعراض؟

لا يخفى على إنسان عاقل أن العاملات بالجنس التجاري يمارسن “الزنى”، وهو محرم تحريماً قاطعاً في ديننا ويُعد من الكبائر. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: “وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا” (الإسراء: 32).

وبناءً على هذا الأساس العقائدي، يرفض المجتمع المصري والدولة أي محاولة لتقنين أو تشريع هذه الممارسة، وهو مما نحمد الله عليه أن وفق وُلاة أمورنا لهذه القوة في الرفض.

فإذا برز التساؤل الفلسفي والاجتماعي النمطي الذي نفهم ما خلفه من محاولات مضنية لجعل مجتمعاتنا تشبه تلك المجتمعات التي تحظى بحرية جنسية مفرطة تُفكك أصولها وتنشر في فروعها وبطونها الأسقام والأذى، يقولون: هل الأفضل البحث عن حل المشكلة من أصلها، أم مداواة العَرَض الحالي؟

يرى علماء الدين من الأزهر الشريف، ودار الإفتاء، وعلماء والاجتماع أن المطالبة بالكشف الدوري والتقنين الصحي هي بمثابة “مداواة للعرض” وتطبيع مع الخطيئة، مما قد يؤدي إلى تشجيع الظاهرة بدلاً من تحجيمها. ويؤكدون أن الحل الأمثل يكمن في معالجة الجذور الأصلية للمشكلة، والتي تتمثل في:

  1. الفقر والعوز الاقتصادي: الذي يدفع بعض النساء والرجال إلى هذا المستنقع كطريقة للبقاء.
  2. التفكك الأسري وغياب الوعي: مما يسهل وقوع الشباب في شباك الاستغلال.
  3. صعوبات الزواج: ارتفاع تكاليف الزواج وتأخر سن الارتباط يدفع البعض للبحث عن بدائل غير شرعية.
  4. الإباحية: انتشار الإباحية يدفع مرتاديها لمحاولة تحقيق ما يرونه خارج إطار الزواج الشرعي. “انظر دليل التعافي من إدمان الإباحية

إن معالجة هذه الجذور وغيرها من خلال التكافل الاجتماعي، توفير فرص عمل كريمة، وتيسير سبل الزواج الشرعي، هو النهج الذي يتوافق مع ديننا الحنيف، وهوية المجتمع المصري وقيمه.

العاملات بالجنس التجاري
العاملات بالجنس التجاري نقدم لهم يد العون لانتشالهم مما هم فيه، ولا نعينهن على استكماله بتقنين الإجراءات.

الخاتمة

لا يجب أن ننساق خلف النداءات المتكررة لمساعدة العاملات بالجنس التجاري في مصر فهو منزلق إلى الاعتراف بهن، ثم سن قوانين لحقوقهن، ثم تقنين كامل لأوضاعهن، ثم عودة لوجود بيوت الدعارة تتناثر في كل مكان برخصة لقيادة الزنا.

إن محاولة احتواء العاملات بالجنس التجاري هو أول سقوط إلى هاوية لا منجى منها ولا مهرب، هاوية تعترف بالزنا والعلاقات الجنسية خارج المنظومة الإلهية التي ارتضاها ربنا لنا.

إن تقديم الحلول الحقيقية للعاملات بالجنس التجاري يتمحور في انتشالهن من البغاء إلى الآدمية، من تسليع المرأة إلى تكريمها، والبحث عن حقوقها كإنسانة لا كباغية، حقوقها في التوبة والأوبة والاحتواء الديني، والنفسي، والعلاجي، والسلوكي، لا حقوقها في دعمها لإتمام ما هي فيه من الدعارة والزنا.

ويظل التحدي الحقيقي أمام صانع القرار والمجتمع المدني في مصر ليس في كيفية تقنين الخطأ لحماية الصحة العامة، بل في كيفية حماية الفئات الهشة من الانزلاق إلى هذا النفق المظلم، وتوفير شبكات أمان اجتماعي واقتصادي تعالج المشكلة من جذورها، مع الحفاظ على قيم المجتمع وثوابته.

نسأل الله النجاة لمن رغب فيها، والعافية لنا وللناس عامة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *